نحترم عقلك

ظروف قاهرة في مطار القاهرة .. كيف حوَّل إغلاق معبر رفح غزة إلى سجنٍ كبير؟

0 37

مساء الأربعاء الماضي تلقى الحقوقيون والإعلاميون الفلسطينيون خبرًا كصاعقة؛ حين أعلنت الصحفية «دنيا الأمل إسماعيل» عن وفاة زوجها الحقوقي «بسام الأقرع» بالسكتة القلبية، وناشدت بكلماتٍ محزنة للغاية الجميع بمساعدتها للعودة إلى قطاع غزة؛ لوداع زوجها، واحتضان أبنائها.

انطلق تضامن كبير مع «دنيا الأمل» التي خرجت من غزة قبل فترة لتسهيل إجراءات منحة دراسية لابنتها، لكن الجميع كان يدرك أنه لن تحدث استجابة لاستغاثتها، فإغلاق المعبر أمر حتمي حرم  آلاف المرضى والطلبة والعالقين من السفر، بل قد يستغرب من لا يعرف ظروف القطاع المحاصر من وجود جيل كامل في غزة لم يرَ في حياته قطارًا أو طائرة أو مترو أو سفينة، ولا أحد يعلم حجم المعاناة التي يعيشها من تلتقط له صور مؤلمة وهو يمسك بكل قوة بسياج المعبر من الجانب الفلسطيني يريد حقه في السفر.

ظروف قاهرة في صالة «مطار القاهرة»

في إحدى الصالات بمطار القاهرة الدولي يُحتجز أكثر من 150 فلسطينيًا، من المرضى والطلاب والأطفال، بينهم امرأة مريضة بالسكري، ولديها طفلان، وشخص كفيف مع زوجته وأبنائه، ومريض لم يتمكن من تنظيف جرحه منذ أكثر من أسبوع، يحتجز هؤلاء بشكل خطير بعد أن نفذت منهم الأدوية.

صورة مسربة للنشطاء الفلسطينيين من داخل مطار القاهرة (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

أحد المحتجزين – اختار اسمًا مستعارًا «حسام»، حرصًا على سلامته؛ لترهيب السفارة الفلسطينية والأمن المصري لهم منعًا لخروج أيّة معلومات للإعلام – يؤكّد لـ«ساسة بوست» أنّ السفارة الفلسطينية تحضر لهم وجبة طعام واحدة يوميًا في آخر النهار، لكن أكثر ما يشغلهم عدم وجود ماء شرب كافي، وكذلك منحت السفارة كل شخصين بطانية واحدة، تفرض عليهما التناوب في النوم رغبةً في غطاءٍ مستقل.

وفيما يزيد ضجيج الصغار من حول الرجل يقول: «لا مكان للنوم، مجرَّد نعاس لوقتٍ قصير نتيجة الإرهاق الكبير، فبكاء الأطفال يمنع النوم، وكذلك عدم وجود أغطية تقي برد الشتاء، لا أحد يشعر بالفرق بين الليل والنهار»، ويوضح أن بينهم تكافلًا كبيرًا، حيث يبادر الجميع للمساعدة، فتحت الهدايا التي كانت بحوزتهم من الأطعمة ووزعت بين المسافرين.

ويضيف حسام لـ«ساسة بوست»: «نشتري الضروريات على حسابنا الخاص، نستعين بعمّال النظافة بموافقة الضباط المصريين، لكنهم يأخذون (بقشيش) خياليًا؛ كوننا مضطرين»، ويشير الرجل إلى أنّ الكثيرين منهم قد نفدت أموالهم، فلا يستطيعون شراء اللوازم الخاصة بأطفالهم أو مرضاهم، فضلًا عن شراء الطعام، ويختم بالقول: «نحاول أن نستوعب الصغار باللعب والتسلية تخفيفًا عن ذويهم، وكذلك أحدثنا حاجزًا بين النساء والرجال باستخدام الحقائب من باب النخوة والشهامة، ولكن واقعيًا كلنا في صالة واحدة».

تعود حكاية هؤلاء، إلى يوم السابع من فبراير (شباط) الحالي، حين قررت السلطات المصرية – وللمرة الأولى خلال هذا العام – فتح معبر رفح لمدة ثلاثة أيام، فما أن توقع البعض أن يحظى بالسفر في اليوم الثالث حتى أعلنت السلطات المصرية فجأة إغلاق المعبر.

هذه المفاجأة تسببت في معاناة كبيرة، ليس فقط لمن حرم من السفر، ولكن لمن تمكن من الخروج من الجانب المصري، وبقي محاصرًا في سيناء وسط الخطر حيث انطلقت حملة عسكرية للجيش في صحراء سيناء، احتُجز المئات، ولم يتمكنوا من الخروج من رفح المصرية تجاه القاهرة أو مطارها، فيما كان آخرون – جلهم من المرضى والطلاب والأطفال – قد وصلوا من بقاع الأرض لمطار القاهرة، ووجهتهم الوصول إلى معبر لرفح للعودة إلى غزة، لكن عناصر الأمن في المطار احتجزتهم؛ بسبب إغلاق معبر رفح.

وتعقيبًا على هذا الوضع المأساوي، حذَّر «المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان» من تفاقم أوضاع العالقين والمحتجزين الفلسطينيين داخل مطار القاهرة إلى الأسوأ في ظل نفاد أموالهم ومصادر بقائهم، وذكر تقرير المرصد أن «أعداد العالقين على المعبر من جهة مصر، والذين أرادوا العودة إلى قطاع غزة، قبل أن يصدر الجيش المصري قراره بترحيلهم مرة أخرى إلى مطار القاهرة، يتجاوز الـ400 مسافر، محتجزون حاليًا داخل صالات مغلقة في المطار، فيما تم إبلاغهم من قبل أمن المطار بأن على كل شخص منهم العودة من الوجهة التي أتى منها».

ويوضح المركز: «أن 200 شخص آخرين عالقون على بعد كيلو متر واحد فقط من الجانب المصري لمعبر رفح، نسبة كبيرة منهم من المرضى والأطفال وكبار السن، فيما لا تبعد أماكن المواجهات والكمائن العسكرية للجيش المصري عنهم، سوى مسافات قليلة، ويعيشون ظروفًا مأساويةً بلا أدنى مقومات للحياة».

كيف يسافر سكان غزة؟

معبر رفح هو المنفذ الوحيد لقطاع غزة الحالي من أي تواجد أو سيطرة إسرائيلية عليه، يقع جنوب قطاع غزة على الحدود الفلسطينية المصرية، واستخدم المعبر في التضييق على الفلسطينيين، وحرمانهم من السفر منذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزة قبل 10 سنوات.

ولتوضيح الأمر يمكنا الاستعانة بالأرقام؛ فقد كان عام 2017 هو الأسوأ على صعيد عمل المعبر؛ إذ كانت أيام عمله خلال العام 14 يومًا فقط، سافر خلالها ما يقارب من 2624 فلسطينيًا، وهو المعدل الأقل لأيام فتح المعبر خلال السنوات الأخيرة، في حين شهد عام 2016 سفر 26 ألفًا، وفي عام 2015 سافر 14 ألفًا بعد أن فتح المعبر 32 يومًا، لكن لا يمكن لأي فلسطيني نسيان العام الذي حكم فيه الرئيس المصري المعزول «محمد مرسي»؛ إذ عمل المعبر في 2012 لمدة 310 يومًا، سافر خلالها 210 ألف مواطن فلسطيني.

 

ما يضاعف من معاناة مواطني القطاع، التي يسببها فتح المعبر بضعة أيام فقط، ما يدور حول قضايا فساد ناجمة عن استغلال ضباط مصريين حاجة الفلسطينيين للسفر للحصول على مبالغ مالية باهظة تصل إلى 5000 دولار للشخص الواحد، أو ما يعرف بـ«التنسيقات المصرية» للسماح لهم بالسفر، وهو ما يحرم الكثير من أصحاب الحقوق والمحتاجين للسفر من الحصول على فرصة الخروج من القطاع.

لكن ما الذي يحدث عن الإعلان عن فتح معبر رفح؟ بمجرد معرفة المسجلين رسميًا للسفر عند فتح المعبر يتدفّق المئات منهم، إلى جنوب القطاع، بعضهم قد يخاطر بالمبيت أمام بوابة المعبر في انتظار السفر صبيحة اليوم التالي، يحضر هؤلاء إلى صالة «أبو يوسف النجار» بمحافظة خان يونس، وهي عبارة عن ملعب قديم، قبل أن يتم نقلهم عبر الباصات إلى صالة السفر الخاصة بالجانب الفلسطيني في معبر رفح، مع التأكيد أنه لا يخرج من غزة إلا مضطر للعلاج، أو الدراسة، أو الالتحاق بالعمل، أو الزواج.

وعن المشاهد المؤلمة التي سجلت في آخر مرة فتح فيها معبر رفح، تقول مراسلة «قناة الجزيرة مباشر»، غالية حمد: «في محيط الصالة التي هي ملعب قديم، اتخذ الجميع من حقائبهم مقعدًا على الأرض المبللة بالوحل، رأيتهم بعد انتظار استمر يومًا أو أكثر، كانت أعينهم تدور بالمكان في حسرة وقهر، أرهقهم الجوع وقلة النوم وانعدام الراحة».

وتضيف لـ«هاف بوست عربي»: «كان هناك شاحنة نقل كبيرة تتفيأ في ظلها عائلة مكونة من أم وأطفالها الأربعة، دون سن العاشرة، فقدوا إقامتهم في دولة عربية؛ بسبب تأخر فتح المعبر، ولا سبيل لها إلا المجازفة بالذهاب أملًا في استعادة حقهم بالحياة والعمل هناك، كانت الطفلة الصغيرة تبكي قائلة لأمها: «تعبت من النوم على الرمل».

حتى الطلبة و«العالقون» ممنوعون من السفر  

جل الفلسطينيين في قطاع غزة يأملون في فرصة سفر، لكن من يجرأ على التقدم فعليًا بالتسجيل للسفر هم الفئة المضطرة بسبب التعقيدات المتعددة التي يفرضها إغلاق معبر رفح.

مسن فلسطيني يأمل بالسفر (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

وتعد فئة العالقين في غزة الأكثر تأزمنًا، خاصة النسوة اللواتي أتين لزيارة اضطرارية للأهل، فحرمن من الخروج والعودة لبلد الأزواج والأبناء، ودخلن معركة من المشاكل الأسرية وصلت لحد التهديد بالطلاق أو زواج الزوج أو ضياع مستقبل الأبناء.

من تلك النسوة كانت «أم ريان» التي توضح: «زوجي مصري ويحمل الجنسية الأمريكية، جئت إلى غزة في زيارة لأهلي شهر مارس (آذار) الماضي، وكانت الخطة أن أمكث شهرين تقريبًا، وأعود إلى زوجي في أمريكا، لكن للأسف ابني لم يلتحق بمدرسته، وكذلك لم أستطع إكمال علاجات الجلطة الرئوية التي كنت آخذها خارج غزة»، وتضيف السيدة لـ«العربي الجديد»: «أرجو ألا تسوء الأمور أكثر، وتصدق تصريحات القيادات».

من هؤلاء أيضًا المغربية «جيدة اليعقوبي»؛ إذ منذ تزوجت بفلسطيني من غزة قبل 11 عامًا، لم تتمكن من السفر للمغرب لرؤية ذويها، بالرغم من أنها سجلت منذ العام 2015، تقول لـ«الأناضول» وهي تبكي بحُرقة: «كلما سمعت بخبر فتح المعبر، هرولت مسرعةً له، وأعود بخُفي حُنين، توجهت لعدة جهات ومسؤولين في غزة لإيصال صوتي دون جدوى، حتى انتهى تاريخ صلاحية جواز السفر»، وتتابع القول: «أشعر بالندم أنني أتيت إلى غزة، فهي عبارة عن سجن، يُسمح لمن بداخله بحركة محدودة، فهي باتت لا تصلح للحياة».

وكذلك يحتجز في القطاع العديد من الطلبة، سواء الذين حصلوا على منح دراسية، ولم يتمكنوا من الخروج ألبتة، أو الذين تركوا دراستهم خلال فترة العطلات، ووصلوا القطاع لرؤية ذويهم، يقول الطالب «أبو إسحاق»: «عمري 27 عامًا، وسنواتي تضيع بانتظار محاولاتي السفر لإنهاء دراستي، نطالب رئيس حكومة الوفاق رامي الحمد لله بالنظر إلى معاناتنا نحن الطلبة والعالقين والزوجات والمرضى، يكفي انتظار شهور للسفر، الشعب لم يعد يستطيع التحمل أكثر من هذا، أنهوا معاناتنا».

وللعام الرابع على التوالي، يحرم سكان قطاع غزة من أداء العمرة بسبب إغلاق معبر رفح البري، فضلًا عن حرمانهم مرة من أداء مناسك الحج ذاته دون دول العالم أجمع، وبسبب تقع مكاتب وشركات السفر في القطاع وعددها 77 مكتب تحت خطر الإغلاق وتشريد موظفيها؛ إذ تصل خسارة مكاتب شركات الحج والعمرة بغزة سنويًا نحو مليون دولار، وما يزال يتمسك بالتسجيل في تلك المكاتب أكثر من 20 ألف معتمر.

 

كذلك يحرم المغتربون من الوصول في الصيف كما اعتادوا لزيارة عائلاتهم في قطاع غزة، يقول الحاج أحمد كوارع: «لا يكاد يمر يوم من غير أن أتذكر أبنائي الثلاثة الذين غابوا عني منذ 10 سنين عددت فيهم الليالي والأيام، وسهرت حتى ضاقت بي الدنيا من الحدود التي فرقتنا، والمعابر التي فرضتها قوى الاستعباد».

ويضيف الرجل لموقع «فلسطين أون لاين»: «آمل أن يؤخذ قرارٌ بفتح المعبر مع الجانب المصري، وأن تكون هناك كلمة قوية للمسئولين العرب والفلسطينيين يعود على إثرها أبناؤنا إلى بيوتهم بعيدًا عن آلام الغربة والتشتت».

ولأن الحاجة هي أم الاختراع، فقد خرج الفلسطينيون بمجموعة من المشروعات في محاولة للتخفيف من أثر حرمان المغتربين من الوصول للقطاع، منها قيام متجر إلكتروني اسمه «جيفت بوكس (Gift Box)»، يديره مجموعة من الشباب تحت اسم فريق «عائلي»، مهمته شراء الهدايا نيابة عن المغتربين خارج قطاع غزة، وتوصيلها وتسليمها إلى أقاربهم المقيمين داخل القطاع.

المصالحة لن تحقق آمال الغزيين

يتمتع قطاع غزة بسبعة معابر تخضع ستة منها للسيطرة الإسرائيلية، فيما يخضع المعبر السابع، وهو معبر رفح البري، للسيطرة المصرية، لكن دولة الاحتلال الإسرائيلي بعد سيطرة «حركة المقاومة الإسلامية (حماس)» على القطاع في صيف عام 2007، عجلت بإحكام إغلاق أربعة معابر، وأبقت على معبرين فقط، هما معبر كرم أبو سالم، كمنفذ تجاري، ومعبر بيت حانون (إيريز) كمنفذ للأفراد في نطاق محدود.

 

وفيما توجهت الأنظار نحو معبر رفح البري، دخل هذا المعبر مجموعة الوسائل التي استخدمت للتضييق على سكان غزة؛ إذ رفضت السلطات المصرية فتح المعبر، إلا وفق اتفاقية المعابر لعام 2005، وهي اتفاقية تنص على أن «تأخذ السلطة بعين الاعتبار أية معلومات حول أشخاص معينين تزودها بها الحكومة الإسرائيلية، وتتشاور السلطة مع الحكومة الإسرائيلية والطرف الثالث في إمكانية مرورهم»، لذلك يقرأ إصرار السلطة على اتفاقية 2005، أنه يأتي ضمن تفاهمات مع الاحتلال.

وفيما كانت العادة أن يفتح المعبر بضعة أيام كل عدة أشهر للمرضى والحالات الإنسانية، عادت الأنظار والآمال تتجهاننحو فتح المعبر بشكل اعتيادي؛ حين توصل إلى اتفاق للمصالحة الوطنية برعاية مصرية بين حركتي فتح وحماس في 12 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث ينص الاتفاق على تسلم المعابر في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

واستبشر الفلسطينيون خيرًا، خاصة أن المؤسسات المصرية وعدت بأنها ستعجل – في حالة وجود اتفاق – بالعمل على عودة الحركة الطبيعية إلى معبر رفح البري؛ وذلك لتسهيل حركة السكان من قطاع غزة وإليه بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية ومؤسساتها.

لكن وضع المعبر لم يشهد أي تحسنٍ على الإطلاق، حيث دخل الفلسطينيون في دوامة جديدة حول من يريد استمرار إغلاق معبر رفح؟ يتهم البعض الرئيس الفلسطيني محمود عباس باستخدام المعبر للضغط على حماس وإخراجها من اللعبة السياسية -ترفض السلطة الفلسطينية تسليم المعبر بوجود أي موظف من الحكومة السابقة – بينما تنادي حركة حماس بالشراكة في إدارته، على اعتبار أن ذلك كان جزء من اتفاق الشاطئ الموقع في أبريل (نيسان) العام 2014. ولا يخرج الجانب المصري من دائرة الاتهام، إذ اتخذت مصر الخلاف بين حماس وفتح كمبرر لإغلاق المعبر، وسط صمت مطبق من جانب السلطة الفلسطينية.

المصدر

- الإعلانات -

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني .

ملاحظة بعد نموذج التعليق